مجمع البحوث الاسلامية
196
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وذلك لا يصحّ إلّا وهو الفاعل لهما . والجواب عن ذلك : أنّ ظاهره يقتضي أنّ ما قد وقع سيّئة يجعلها تعالى حسنة ، وهذا ممّا لا يصحّ القول به ، لأنّ إبدال الفعل بالفعل إنّما يصحّ ولمّا يقع ، لأنّ من يجوز البدل في الكفر والإيمان إنّما يجوّز على جهة التّقدير ، ولا يحكم بأنّه قد وقع وكان . وبعد ، فإنّ الظّاهر يقتضي أنّه تعالى قد بدّل مكان كلّ السّيّئات الحسنات ، وهذا يوجب أنّ الكفّار قد حصلوا على الحسنات ، وكذلك كلّ من أقدم على السّيّئة ، وليس ذلك بقول لأحد على وجه . والمراد بذلك : أنّه تعالى بدّل مكان ما كانوا عليه من القحط والشّدّة وضروب المضارّ والمصائب ، الخصب والرّخاء وضروب المنافع ، على طريقة العرب في تسمية ما ظهر فيه - في الحال - المنفعة بالحسنة ، وضدّ ذلك بالسّيّئة ، ولذلك قال تعالى بعده : وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ، وذلك لا يليق إلّا بما ذكرناه . ( 1 : 288 ) الماورديّ : فيه وجهان : أحدهما : [ قول ابن عبّاس ] والثّاني : مكان الخير والشّرّ . ( 2 : 242 ) الطّوسيّ : أخبر اللّه تعالى في هذه الآية أنّه بدّل مكان السّيّئة الحسنة وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ . ومعناه أنّه تعالى بعد أن يفعل بهم البأساء والضّرّاء ليتضرّعوا ، يبدّل مكان السّيّئة الحسنة . والتّبديل : وضع أحد الشّيئين مكان الآخر ، فلمّا رفعت السّيّئة عنهم ووضعت الحسنة ، كانت مبدّلة بها . ( 4 : 506 ) نحوه الطّبرسيّ ( 2 : 451 ) ، والطّباطبائيّ ( 8 : 200 ) . الواحديّ : يعني بالسّيّئة البؤس والمرض ، وبالحسنة الغنى والصّحّة ، والمعنى : أنّه يعطيهم بدل ما كانوا فيه من البؤس والمرض : المال والصّحّة ، أخبر اللّه أنّه يأخذ أهل المعاصي بالشّدّة تارة وبالرّخاء تارة . ( 2 : 389 ) نحوه الشّربينيّ . ( 1 : 496 ) البغويّ : ( الحسنة ) : النّعمة والسّعة والخصب والصّحّة . ( 2 : 216 ) الزّمخشريّ : أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة ، الرّخاء والصّحّة والسّعة ، كقوله : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ الأعراف 168 . ( 2 : 97 ) مثله النّسفيّ ( 2 : 66 ) ، وأبو السّعود ( 3 : 8 ) ، والمراغيّ ( 9 : 12 ) ، ونحوه البيضاويّ ( 1 : 360 ) ، والنّيسابوريّ ( 9 : 14 ) ، وابن كثير ( 3 : 199 ) ، وأبو حيّان ( 4 : 347 ) ، والكاشانيّ ( 2 : 221 ) ، وشبّر ( 2 : 392 ) ، والقاسميّ ( 7 : 2823 ) ، ورشيد رضا ( 9 : 16 ) . ابن عطيّة : قال تعالى : إنّه بعد إنفاذ الحكم في الأوّلين « 1 » بدّل للخلق مكان السّيّئة وهي البأساء والضّرّاء الحسنة : وهي السّرّاء والنّعمة ، وهذا بحسب ما عند النّاس ، وإلّا فقد يجيء الأمر ، كما قال الشّاعر : قد ينعم اللّه بالبلوى وإن عظمت * ويبتلي اللّه بعض القوم بالنّعم
--> ( 1 ) في الآية 94 من السّورة .